محمد أبو زهرة

205

المعجزة الكبرى القرآن

وذكرنا الاستدلال على الوحدانية في سياق القصص والعبرة ، ثم بينّا من بعد ذلك تصريف القول بطريق القصص ، والتصوير القصصى للوقائع حتى كأنك ترى المشاهد ، لأنك تقرأ القصص . ثم تكلمنا في الاستفهام القرآني ، وخضنا في التشبيه والاستعارة والمجاز والكناية والإشارة البيانية لمن يغوص في علوم القرآن الكريم ، ويتعرف أسرار الحقائق التي اشتمل عليها ، سواء أكانت حقائق كونية أو نفسية ، أم كانت تتعلق بنواميس الاجتماع وتربية المجتمعات . ذكرنا ذلك في إجمال يشير ولا يحيط ، ويوجز ، ولا يفصل . ولكن مع ذلك نرى للقرآن صورة هي في الإعجاز أبعد مما سبق ، ذلك أنك إذا قرأت القرآن مرتلا ، أو كاشفا بالصوت مع الترتيل تحس بأنه ليس من الكلام الذي سمعته وتسمعه وتقرؤه ، وأنك تميز بذوقك القرآن عند سماعه من غيره ، فله نظم يعلو عن كلام البشر ، وله نغم أعلى من أن تسميه موسيقى ، يذوقه كل فاهم ، وإن كان لا يستطيع وصفه ولا تعريفه ، ولا بيان سره ، كما يذوق الذائق طعاما طيبا ، ولا يعرف اسمه ، ولا أرضه ، ولا سر طيبه ، ولكنه يحكم بطيبه وإن كان تفصيل السبب لا يعرف . وليس ما نقوله هو من قبيل ما فندناه من قبل ، وهو ما سمى بالصرفة ، فإن الصرفة على قول الذين يزعمونها ، عجز عن المحاكاة أو المشابهة بصرف اللّه تعالى . إنما الذي نقوله هو أن الإعجاز من خصائص القرآن البيانية وغيرها ، وإن كانت البيانية أظهرها . وهي التي يتحدى اللّه تعالى بها العرب أن يأتوا بمثلها ولو مفتريات ، فالنظم والنغم ، والفواصل ، وما يشبه الموسيقى ، وإن كان أعلى أوصاف ذاتية ، ولعلنا نتنزل بالقرآن إن سمينا ما نذكر موسيقى ، فروعة القرآن أعلى ، وذلك سبب من أسباب العجز ، وهو غير الصرفة . لقد وجدنا للقرآن حلاوة في الألفاظ والأسلوب والفواصل ، وغير الفواصل - ليست في غيره ، وهذا ما سميناه النظم تقريبا للفهم ، ولكلام اللّه تعالى المثل الأعلى ، وهو ما وصفه الوليد بن المغيرة بقوله : « إن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، وما يقول هذا بشر » . 120 - وبعد هذه التقدمة التي نمهد بها للقول ، نقول : إن نظم القرآن ليس من أي نوع من أنواع النظم الذي عند أهل البيان . فليس نثرا مرسلا . وليس نثرا مصنوعا . وليس نثرا فيه ازدواج . كما أنه ليس نثرا مسجوعا . وليس فيه فواصل تشبه السجع . ولكنه شئ غير هذا ، وغير ذلك .